شبيه الأرض

شارك

منذ إطلاقه في عام 2009، عكف تلسكوب كبلر الفضائي التابع لوكالة ناسا على مطاردة الكواكب التي قد تصلح لتكون أرضًا جديدة. وكلُّ اكتشاف جديد له يكون بمثابة محطة هامة للجهود البشرية الساعية إلى العثور على دليل لوجود حياة في بقعة أخرى من مجرتنا؛ فعلماء الفلك يبحثون عن كوكب تتماثل صفاته وصفات الأرض؛ بحيث يدعم الحياة على سطحه.

وقد وُجدت بعض الكواكب المكتشفة سابقًا في مناطق صالحة للحياة في نظمها الشمسية، غير أن جميعها كان حجمها 40% على الأقل أكبر من حجم الأرض. والمنطقة الصالحة للحياة في أي نظام شمسي هي منطقة ما حول النجم يمكن للكواكب الواقعة بها أن تحتفظ بالمياه سائلة على سطحها إذا سمحت بذلك طبيعة غلافها الجوي، إلا أن وجود الكوكب في تلك المنطقة لا يعني بالضرورة أنه يدعم الحياة.

فالحياة على سطح كوكب ما تتطلب توافر المياه السائلة. وهكذا، فإن الكوكب الداعم للحياة لا يكون قريبًا جدًّا من النجم، وإلا فستكون حرارته مرتفعة للغاية وستتبخَّر المياه. وفي الوقت ذاته، فإنه لا يكون بعيدًا جدًّا عن النجم وإلا فسيكون شديد البرودة بحيث تتجمد المياه. ويعد حجم الكوكب أحد العوامل الهامة في تحديد قابليته للحياة. فقد وضَّح العلماء أنه – مثلًا – إذا كان كوكب ما أكبر 50% من الأرض وكتلته كبيرة، فمن شأنه اجتذاب غلاف من الهيدروجين والهليوم، وهو ما يجعل سطحه داخل غلاف غازي سميك لا يدعم حياة شبيهة بالموجودة على سطح الأرض.

وقد أعلنت وكالة ناسا الفضائية منذ عدة أشهر أن تلسكوب كبلر الفضائي اكتشف نظامًا شمسيًّا جديدًا يبعُد نحو خمسمائة سنة ضوئية عن الأرض أُطلِق عليه "كبلر 186". نجم تلك المجموعة قزم أحمر، وعادة ما تكون الأقزام الحمراء أقل حرارة وسطوعًا من النجوم الشبيهة بالشمس. ولذلك، فإن المناطق الصالحة للحياة حولها تكون أكثر قربًا للنجم. وتتفاعل تلك النجوم مع كواكبها فيما يخص الجاذبية، مسببة حالات من المد والجزر، تعمل بدورها على تسخين الكواكب وكبح دورانها حول محورها. وذلك يعني أن أحد وجهي تلك الكواكب يظل مواجهًا للنجم والثاني للفضاء؛ مثلما يرتبط القمر بالأرض بفعل المد والجزر.

لقد اعتقد الباحثون قبل ذلك أن الكبح المدِّيَّ الجزريَّ يجعل الكوكب غير داعم للحياة؛ حيث ينتهي به إلى وجهين؛ أحدهما ذو حرارة حارقة والآخر ذو برودة مُجمِّدة. غير أن النماذج الحديثة تبيِّن أنه من شأن التيارات الهوائية أو المائية أن تنقل الحرارة حول تلك الكواكب لتعادلها في وجهيها.

وهناك خمسة كواكب سابحة في مداراتها حول القزم الأحمر كبلر 186؛ أربعة منها قريبة جدًّا منه فلا تحتفظ بمياه سائلة على سطحها من جرَّاء الحرارة العالية. والكوكب الأبعد عن النجم – كبلر 186 إف – هو أول الكواكب المكتشفة في منطقة صالحة للحياة، ويقترب حجمه من حجم الأرض. ووفقًا لملاحظات علماء الفلك، فإن ذلك الكوكب يدور حول نجمه في 130 يومًا فقط؛ مما يشير إلى أن مداره أضيق نطاقًا من مدار الأرض.

يستقبل كبلر 186 إف من نجمه مقدار ثلث الطاقة التي تستقبلها الأرض من الشمس، غير أن ذلك القدر سيكون كافيًا للحفاظ على مياهه من التجمد إن كان لغلافه الجوي تأثير الصوبة الزجاجية. وفي ذروة فترة الظهيرة، يكون كبلر 186 إف في نور الأرض وقت المغيب.

يؤثر حجم النجم في قوة جاذبيته، وفي قدرته على اجتذاب غازات مثل الهيدروجين والهليوم. ويترك حجم كبلر 186 إف فرصة صغيرة لاجتذاب غلاف سميك من الهيدروجين والهليوم، ومن ثَمَّ، فهناك احتمال بأن يتمتع بسطح صخري مثل الأرض.

في حقيقة الأمر، ليس من السهل معرفة صلاحية كوكب ما لدعم الحياة على سطحه؛ فعلى علماء الفلك فَهْم غلافه الجوي وتأثيره في احتباس الحرارة. غير أن كوكب كبلر 186 إف الذي يطلق عليه "شبيه الأرض" لا يزال يُعدُّ اكتشافًا ضخمًا يثبت وجود عوالم قد تشبه عالمنا؛ وذلك من شأنه أن يؤثر جذريًّا في مستقبل البحث في الكواكب التي قد تتمتع ببيئات أرضية خارج المجموعة الشمسية.

المرجع

http://www.nasa.gov


*المقال منشور بمجلة كوكب العلم، عدد شتاء 2015 «الحاجات الأساسية».

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2022 | مكتبة الإسكندرية