الاختراعات وثقافة الإبداع

شارك

يتلخص الإبداع في القدرة على إنتاج الجديد بناءً على عمليات ذهنية تعيد ترتيب وتوليف وتحويل ما هو متعارف عليه في منظومة مبتكرة وغير مسبوقة. ولا يعتمد الإبداع على المواهب الفردية فحسب، ولكنه يعتمد أيضًا على اكتساب المعارف الأساسية، والمهارات الفكرية التي تشمل المشاهدة الثاقبة، والقدرة على التحليل والتصنيف، واكتشاف التماثل أو التناظر أو التكافؤ أو العلاقات التي لا تخطر ببال الآخرين. وكذلك يتعلق الأمر بالقدرة على التخيل ووضع تصورات جديدة مبتكرة، والمثابرة على تمحيص هذه التصورات لتقويم صلاحيتها وتوافقها مع أسس التفكير المنطقي، وإمكانية إخضاعها أو ما يترتب عليها للتصويب، مع السعي للتنقيح والتطوير للوصول إلى أفضل نتيجة.

ويرتبط الإبداع العلمي والاكتشاف ارتباطًا وثيقًا بالعالم وفهمه وتنظيره في إطار المنهج العلمي الذي يعتمد على مشاركة الآخرين بغض النظر عن جنسيتهم أو نوعهم أو عقيدتهم في تقويم النتائج المترتبة على الإبداع. وكذلك يرتبط الإبداع العلمي بالمعدات العلمية التي تسمح بمشاهدة ما هو غير مألوف للعين والحواس مباشرة وبالقيام بالتجارب.

ويمثل الإبداع العلمي أساس الاختراعات التي ساهمت في تقدم البشرية في مجالات متعددة ومنها المخترعات التي تنصب في النواحي التقنية، وكان منها حتى في عصور ما قبل التاريخ الأدوات المستخدمة في توليد الشرار لإيقاد النار، وأدوات الصيد والقنص كالرماح والأقواس والسهام المزودة برءوس حجرية مشذبة والشباك وأحجار الطحن.

ومع ظهور الزراعة منذ عشرة آلاف عام، ظهرت الحاجة إلى آلات للزراعة والحصاد والري. وكان من أهم الاختراعات الساقية التي استخدمت فيها التروس وطاقة المياه، والتي أدت إلى سلسلة من المخترعات كطواحين المياه الصناعية والتوربينات. ومع ازدياد المعارف العلمية وتوفير المناخ العلمي كما حدث في مكتبة الإسكندرية القديمة، ارتبط الاختراع بالأبحاث النظرية في الهندسة والرياضيات، والتي كانت أساسًا لاختراعات مهمة كالطنبور.

ومثلما حدث في عصر الصناعة، يساهم نشر الثقافة العلمية للعامة في تعزيز ثقافة الإبداع، بالإضافة إلى إنشاء المؤسسات العلمية للتواصل العلمي، وتمويل القطاع الخاص والدولة للعلوم والتطبيقات العلمية والتقنية، وإنشاء الجامعات والمعاهد التقنية العليا، ووضع معايير صارمة لتقييم جودة وصلاحية الأبحاث العلمية في إطار المنهج العلمي، مع تشجيع التفكير النقدي.

وكانت بدايات هذه المنظومة المعرفية قائمة في بغداد في القرن التاسع الميلادي. وبذلك نخلص إلى أن ندرة وهامشية المخترعات في الدول النامية، يرجع عمومًا إلى غياب حركة صناعية فعالة، ومن ثم شيوع ثقافات تلجأ إلى الموروثات التقليدية والنقل وتجافي التفكير النقدي العقلاني والإبداعي.


Cover image by Freepik


هذا المقال نُشر لأول مرة مطبوعًا في نشرة مركز القبة السماوية العلمي، عدد الفصل الدراسي الثاني 2010/2011.

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2024 | مكتبة الإسكندرية