التنوع الحيوي: لماذا ينبغي علينا أن نهتم؟

شارك

إن التنوع الحيوي هو صميم حياتنا؛ فهو المجموعة الرائعة الشديدة التنوع من الكائنات الحية والمجتمعات البيئية التي تنمو وتتفاعل مع بعضها البعض في مختلف أنحاء العالم. والتنوع الحيوي هو ثراء الفصائل والنظم البيئية وتعقيداتها حول العالم؛ حيث تستمر في اكتساب ما يلزمها للتكيُّف والبقاء في ظل الظروف المتغيرة بلا هوادة.

ويشمل التنوع الحيوي النبات والحيوان، وكذلك العمليات والعلاقات المتداخلة التي تحافظ على بقائهم. فمثلاً تقوم النباتات بامتصاص المغذيات من التربة وتحويلها لكي تنمو، وفي مقابل ذلك تنتج الأكسجين للإنسان والحيوان لتساعدهما على التنفس والبقاء على قيد الحياة. كما تتغذى الحشرات والطيور وغيرها من الملقِّحات على رحيق الزهور، فتقوم أيضًا بالتلقيح المتبادل بين الأزهار. ومن فوائد النظم البيئية تنظيم المناخ والمياه، وتكوين التربة وحمايتها، والحد من الفيضانات وانجراف التربة، وحماية الشواطئ، وتوفير الضوابط الطبيعية للآفات الزراعية.

وإنه لمن المفيد، بل من الضروري، أن نُذَكِّر أنفسنا بأن وجود بيئة صحية للإنسان يعتمد اعتمادًا كليًّا على التنوع الحيوي؛ فإن كل ما نأكله من طعام، ونرتديه من ملابس، ونقوم بإنتاجه على هذا الكوكب، يعتمد على التنوع الحيوي؛ ومع ذلك فإننا نتصرف كما لو كان أمرًا ليس ذا أهمية. ففي الوقت الذي نتمعن فيه في مسألة ما إذا كانت هناك حياة على كوكب المريخ، يبدو أننا قد نسينا أنه ما تم العثور عليه من كائنات حية تعيش على كوكب الأرض وتصنيفها ما هو إلا جزء صغير من مجموع هذه الكائنات، والتي يقدر عددها من 10 إلى 20 مليون فصيلة، بينما تنقرض أعداد لا حصر لها من الفصائل المعروفة وغير المعروفة الأخرى. إننا الآن نفقد الكائنات البرية بمعدل يُقدَّر ﺒ100 إلى 1000 مرة أسرع من المعدل الطبيعي للانقراض، وهو معدل الانقراض لفترة ما قبل التاريخ الإنساني، أي فيما قبل تدخل الإنسان كمؤثر أساسي على عملية الانقراض.

نحن البشر قد حصلنا على استقلالنا من نزوات الطبيعة الأم؛ فقد تعلمنا كيفية توفير الملجأ والكساء لأنفسنا، وبالزراعة والري يمكننا التحكم في الإمدادات الغذائية الخاصة بنا؛ كما قمنا ببناء المدارس، والمستشفيات، وأجهزة الكمبيوتر، والسيارات، والطائرات، والمركبات الفضائية. فما الضرر إذًا في انقراض حفنة من النباتات، والحيوانات، والكائنات الحية البسيطة؟

إن المشكلة التي نواجهها مع فقدان التنوع الحيوي هي أن الأرض تعمل كآلة شديدة التعقيد لا توجد بها أية أجزاء بلا أهمية؛ حيث تلعب كل فصيلة، بدءًا من الميكروب ووصولاً إلى الإنسان، دورًا هامًّا في الحفاظ على عمل الكوكب بسلاسة. لذلك فإن كل جزء متصل بالآخر، وإذا تلاشى العديد من تلك الأجزاء بصورة مفاجئة، فلن تتمكن الأرض من تأدية مهامِّها على أكمل وجه.

على سبيل المثال، يقوم النيتروجين الموجود في التربة بتمكيننا من استخدام الزراعة كوسيلة بارعة لتأمين الغذاء؛ حيث يقوم بتغذية المحاصيل وتقويتها، ولكن من أين يأتي هذا النيتروجين؟ في الواقع أنه بقيام الديدان والبكتيريا وصور الحياة الأخرى بتحليل النباتات، تنتج بذلك النيتروجين الذي تحتاجه المحاصيل؛ وهذه هي نفس طريقة تكوين الأسمدة الغنية. إذا ماتت تلك الكائنات، فلن تنمو محاصيلنا بشكل صحيح.

وهذا ينطبق أيضًا على النظم البيئية للمحيطات؛ فتلعب المحيطات، إلى جانب النباتات البرية، دورًا رئيسيًّا في امتصاص ثاني أكسيد الكربون CO2. ولا تقوم المحيطات بامتصاص ثاني أكسيد الكربون بنفسها، ولكنها تعتمد على الكائنات الحية كالعوالق النباتية، وهي نباتات مائية دقيقة، في امتصاصه. إن فقدان العوالق النباتية يعني فقدان الكميات الكافية من الهواء اللازم للتنفس.

كما تعتمد أيضًا بعض أحدث التطورات التكنولوجية على الطبيعة؛ فيدين الطب الحديث بالكثير للخصائص الطبيعية الموجودة في النباتات والبكتيريا، فتعتمد بعض الأدوية مثل المسكِّنات والبنسلين واللقاحات على الكائنات الطبيعية. وقد تم تحليل تكوين هذه الكائنات الحية وتركيبها لتستخدم في إنتاج بعض الأدوية، بينما لا يزال البعض الآخر، كالمضادات الحيوية، يستعين بالكائنات الأساسية؛ وإجماليًّا، تمثل تلك الأدوية ربع كمية الأدوية التي نستخدمها. ولكن إذا فقدت الأرض تنوعها الحيوي فجأة، فسوف تختفي أيضًا الأدوية التي لم يتم اكتشافها بعد، ومن ثَمَّ، فإن التهديدات التي تضع التنوع الحيوي في خطر، تهدد كذلك البشرية بأكملها.

وحتى لو تمكنا من العثور على طريقة للتغلب على الخسارة الفادحة في التنوع الحيوي، فإن وجودنا على الأرض سيتأثر بالتأكيد، وذلك لما للتنوع الحيوي من أهمية اقتصادية بالغة. ففي الواقع أن الخدمات التي تقدمها الطبيعة الأم للبشرية تتنوع ما بين التلقيح وتكوين التربة، للسياحة البيئية والمواد الصيدلانية، وذلك على سبيل المثال وليس الحصر.

وسوف نظل في حاجة لتلك الخدمات، سواءً بوجود إطار بيئي عالمي متنوع أو عدمه؛ لذلك، فإنه بينما تتضاءل الموارد التي توفر لنا تلك الخدمات، على الإنسان إيجاد البدائل لها من أجل البقاء. هكذا ستزيد قيمة مخزون تلك الموارد بشكل كبير وسريع، وتتطور المنافسة عليها؛ وستكون الدول الأكثر ثراءً وتسليحًا هي الفائزة. لذلك فإنه من المحتم أن حياة البشرية سوف تتغير نتيجة لفقدان التنوع الحيوي؛ فسوف تزداد سوءًا بشكل سريع.

إلى أي مدى ساء الوضع؟

إن التنوع الحيوي في طريقه إلى الزوال بمعدل خطير؛ ويتوقع البعض أن 50% من الثدييات والطيور سوف تنقرض في غضون القرن القادم.

فعلى مدى القرون الماضية، اقتربت معدلات الانقراض الموَثَّقة من ألف ضعف معدل انقراض الكائنات الحية خلال اﻟ65 مليون سنة الماضية، وذلك منذ الانقراض الأعظم الذي تزامن مع نهاية العصر الطباشيري وحقبة الدهر الوسيط، حينما انقرض ما تبقَّى من الديناصورات. ويقع هذا الحدث في المرتبة الخامسة في تاريخ الأرض؛ حيث اختفى ثلثا الكائنات البرية التي كانت تعيش في ذلك الوقت، وتغيرت طبيعة الحياة بشكل دائم. وإذا استمرت الاتجاهات والتصرفات الحالية، فقد يرتفع معدل الانقراض ليصل إلى 10,000 ضعف المعدل الطبيعي خلال القرن المقبل.

وإذا كانت هناك حاجة لإثبات مدى أهمية عملية الحفاظ على التنوع الحيوي خاصةً في الوقت الحالي، فإن "القائمة الحمراء" للكائنات المهددة بالانقراض لعام 2009، توضح الوضع الحالي بشكل كبير. فتقوم تلك القائمة المقدَّمة من الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة (IUCN) بتسليط الضوء على المعدل المزعج لفقدان التنوع الحيوي في جميع أنحاء العالم، وتشير إلى أن أكثر من ثلث الكائنات المذكورة في القائمة التي تحتوي على 47,677 فصيلة مهددة بالانقراض حاليًّا.

إن الحقيقة القاسية هي أن هذا الانخفاض في الأساس ما هو إلا نتيجة للأنشطة التي يمارسها البشر؛ ومنها إزالة الغابات، والصيد الجائر، والتلوث، وانبعاث غازات الصوبة الذي يؤدي إلى تغير شديد في المناخ. ولكن الخبر السار هو أن هذا يعني أن الأمر في متناول أيدينا، وبإمكاننا إيقافه؛ ولكن علينا أن نعمل معًا وبسرعة.

ولكن، كيف حدث ذلك؟

بينما تُعَد عملية الانقراض أمرًا طبيعيًّا، إلا أن متوسط مدة بقاء الكائنات الحية بشكل عام هو من 2 إلى 10 مليون سنة. ومع ذلك، فإن الكائنات والنظم البيئية مهددة اليوم بالتدمير بمعدل نادر لم يشهده التاريخ من قبل نتيجة أفعال البشر، ومنها خمسة أنشطة هي من التهديدات الرئيسية للتنوع الحيوي.

الفصائل الغازية: هي كائنات لا تنتمي لمنطقة معينة، وتتنقل عن طريق التجارة، أو النقل، أو الترحال أو السياحة، وكلها أمور قد ازدادت بشكل كبير نتيجة للعولمة. وتعتبر هذه الكائنات مضرة للتنوع الحيوي لتلك المنطقة بعدة طرق؛ فقد تنافس أو تفترس أو تتطفل على كائنات المنطقة، أو قد تتسبب في نشر الأمراض.

التغيُّر المناخي: من نتائج التغيُّر المناخي الحرائق والفيضانات والأوبئة الحشرية، وهي من الأمور التي تدمر الحياة البرية، ومن المتوقع أن يزداد معدل حدوثها. وقد تأثرت الحياة البحرية أيضًا بارتفاع حرارة مياه البحار وزيادة معدلات الأحماض فيها؛ وذلك نتيجة لزيادة تركيز ثاني أكسيد الكربون الذائب. ناهيك عن التأثير الخطير على النظم البيئية القطبية، وبالأخص ذوبان الصقيع وفقدان طبقات الجليد.

تغيُّر المواطن الطبيعية: لقد أدَّت آلاف السنين من الأنشطة البشرية من تدمير للمواطن الطبيعية وتدهورها إلى الإدارة غير المستدامة إلى تقليص المساحات المغطاة بالغابات من 50% إلى 30% من مساحة الأرض، وتتواصل عملية إزالة الغابات بمعدلات عالية ومخيفة. لقد اختفى 70% تقريبًا من غابات البحر المتوسط والغابات الكثيفة بحلول عام 1990. وفي منطقة الكاريبي، انخفض متوسط مساحات المرجان من حوالي 50% إلى 10% خلال الثلاثة عقود الماضية، واختفى حوالي 35% من غابات المنجروف في العقدين الماضيين. وفي القطب الشمالي، انخفض معدل الجليد البحري السنوي بنسبة 8% في اﻟثلاثين سنة الماضية، مع خسارة تقدر ﺒ15% إلى 20% من الجليد البحري في الصيف خلال نفس الفترة.

الإفراط في استخدام الموارد الطبيعية: طالما اعتمدت البشرية على الطبيعة من أجل البقاء، ولقد كان استغلال الكائنات الحية من أجل توفير الغذاء والكساء والمأوى مستدامًا في الماضي. أما اليوم، فيتم صيد العديد من الكائنات ومحاصرتها وقتلها بمعدل أعلى بكثير من معدل إحلالها.

التلوث: تؤثر ملوِّثات الهواء والمياه والتربة على الكائنات الحية بطرق مختلفة وكثيرة، بدءًا من تغيير معدل نمو النباتات إلى تغيير أنماط التكاثر، مما يؤدي إلى الانقراض في الحالات القصوى. ويمكن للملوِّثات الزائدة أن تُضعِف الكائنات الحية، وأن تجعلها أكثر عُرضة للتأثر بالمسببات التدميرية الأخرى للتنوع الحيوي.

ومن المُحزِن أن يعتمد البشر على الطبيعة للتخلص من النفايات؛ ونتيجة لذلك، أصبحت المحيطات، والأنهار، والبحيرات، والهواء، والأرض مستودعًا للنفايات الصناعية والشخصية. ولقد طغت الكميات الهائلة من التلوث في البيئة على قدرة الأرض على امتصاص تلك المواد أو تحويلها أو تفتيتها، وهناك بعض المواد التي تستغرق آلاف السنين لتتحلل، وقد تصبح سامة بشكل أكبر أثناء عملية التحلل، مما يؤدي إلى الإضرار بالبيئة لمدى طويل.

إن الملوثات الملقاة في البيئة لا تختفي من تلقاء نفسها، ولا تظل معلقة، بل إنها تدخل في أنسجة الكائنات الحية، ثم تنتقل إلى السلسلة الغذائية؛ حيث تزداد سُميَّتها، وهي عملية تعرف باسم التراكم الحيوي، والتي قد أصبحت الآن واقعًا أليمًا.

الدول شديدة التنوع: مخازن التنوع الحيوي

تُعَد أستراليا من بين سبع عشرة دولة شديدة التنوع. وتحتل هذه المجموعة من الدول أقل من 10% من مساحة الأرض، ولكنها تدعم أكثر من 70% من التنوع الحيوي على الكوكب.

وأول من طور هذا المفهوم هو راسل ميترميير عام 1988. واستنادًا إلى تحليل أولويات الحفظ الرئيسية، فقد توصل إلى أن أربع دول تمثل ثلثي الكائنات الرئيسية. ومن ثم توسعت النظرية لتشمل الثدييات، والطيور، والزواحف، والكائنات البرمائية، والنباتات، ومجموعات مختارة من الحشرات. وقد أدى ذلك إلى تحديد سبع عشرة دولة لتمثل أكثر من ثلثي أشكال الحياة وغالبية الغابات الاستوائية المطيرة، والشعب المرجانية والنظم الأخرى ذات الأولوية.

والدول شديدة التنوع هي: أستراليا، والكنغو، ومدغشقر، وجنوب أفريقيا، والصين، والهند، وإندونيسيا، وماليزيا، وغينيا الجديدة، والفلبين، والبرازيل، وكولومبيا، والإكوادور، والمكسيك، وبيرو، والولايات المتحدة الأمريكية، وفنزويلا.

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2024 | مكتبة الإسكندرية