المقالات

الدم الاصطناعي: عهد طبي جديد

شارك

الدم إكسير الحياة؛ فهو يحمل الأكسجين من رئتيك إلى كل خلايا جسمك، ويلتقط ثاني أكسيد الكربون الذي لا تحتاجه ويعود به إلى رئتيك حتى تزفره، كما ينقل المغذيات من جهازك الهضمي والهرمونات من جهازك الصَّماوي إلى الأجزاء التي يحتاجها جسمك. وعلاوة على ذلك، يمر الدم عبر الكلى والكبد؛ فيزيل الفضلات والسموم أو يحللها. والخلايا المناعية في دمك تساعد أيضًا على منع الأمراض والالتهابات ومحاربتها؛ كما يمكن أن تتشكل جلطات الدم التي تمنع فقدانًا فادحًا للدم جرَّاء الجروح والخدوش البسيطة.

للأسف يوجد تحديات عديدة قد تجعل من الصعب أو المستحيل حصول المريض على الدم عند الحاجة. فلأن دم الإنسان يجب حفظه باردًا، فإن مدة عمره التخزيني تبلغ نحو 42 يومًا. وكذلك يجب على الطبيب الـتأكد من أنه يستخدم الفصيلة الصحيحة –A، أو B، أو AB، أو O– قبل إعطائها للمريض؛ فإذا حصل الفرد على فصيلة خاطئة، قد يؤدي ذلك إلى رد فعل مميت. وعلاوة على ذلك، فقد أصبح عدد من هم بحاجة إلى نقل دم في تزايد أسرع من عدد المتبرعين. ولكن هل الدم الاصطناعي هو الحل؟

الدم الاصطناعي منتج مصنع ليكون بمثابة بديل لخلايا الدم الحمراء. وبينما يؤدي الدم الحقيقي وظائف مختلفة، صُمم الدم الاصطناعي ليؤدي مهمة وحيدة وهي نقل الأكسجين وثاني أكسيد الكربون من جميع أنحاء الجسم وإليها. واعتمادًا على نوع الدم الاصطناعي، يمكن أن يُنتج بطرق مختلفة باستخدام الإنتاج التخليقي، أو العزل الكيميائي، أو التكنولوجيا الكيميائية الحيوية المأشوبة.

وعلى عكس الدم الحقيقي، يمكن تعقيم الدم الاصطناعي لقتل البكتيريا والفيروسات؛ ويمكن للأطباء أيضًا إعطاؤه للمرضى بغض النظر عن فصيلة الدم. وعديد من الأنواع الحالية لها عمر تخزيني قد يصل لأكثر من عام ولا يحتاج إلى تبريد؛ مما يجعله مثاليًّا للاستخدام في حالات الطوارئ والحروب. ولذلك، وعلى الرغم من أنه لا يحل محل الدم البشري، فإن الدم الاصطناعي يؤدي في الواقع دورًا مهمًّا.

صنفت البحوث بدائل محددة للدم في فئتين: حاملات الأكسجين المستندة إلى الهيموجلوبين، والهيدروكربون المشبع بالفلور. وبعض تلك البدائل قد قاربت على انتهاء مرحلة الاختبار وقد تصبح متاحة في المستشفيات، والبعض الآخر بالفعل قيد الاستخدام. فعلى سبيل المثال، تستخدم حاليًّا حاملة أكسجين مستندة إلى الهيموجلوبين تدعى هيموبيور في المستشفيات في جنوب إفريقيا؛ حيث يهدد انتشار فيروس العوز المناعي البشري إمدادات الدم. ومن ناحية أخرى، تعد حاملة الأكسجين المستندة إلى الهيدروكربون المشبع بالفلور، وتدع أوكسيجينت، في المراحل الأخيرة من التجارب على الإنسان في أوروبا وأمريكا الشمالية.

تحاكي حاملات الأكسجين المستندة إلى الهيموجلوبين الدم بطريقة مبهمة؛ فلونها أحمر داكن للغاية أو خمري، وهي مصنوعة من هيموجلوبين حقيقي ومعقم، والذي قد يأتي من مصادر متنوعة؛ مثل كرات الدم الحمراء من دم بشري حقيقي ومنتهي الصلاحية، ومن كرات الدم الحمراء الموجودة في دم الأبقار، والبكتريا المعدلة وراثيًّا والتي قد تنتج الهيموجلوبين، ومشيمة الإنسان.

والتحدي في إنشاء الدم الاصطناعي المستند إلى الهيموجلوبين هو تعديل جزيء الهيموجلوبين. فيتم تسخير طرق متنوعة لتحقيق استقرار الهيموجلوبين؛ الأمر الذي ينطوي على إما تطبيقه كيميائيًّا عبر ربط الجزيئات أو باستخدام تكنولوجيا الدَّنا المأشوب لإنتاج البروتينات المعدلة.

على عكس حاملات الأكسجين المستندة إلى الهيموجلوبين فإن الهيدروكربون المشبع بالفلور عادة ما يكون لونه أبيضًا ويكون مُخلَّقًا؛ فهو يشبه إلى حدٍّ كبير الهيدروكربون –مواد كيميائية مصنوعة بالكامل من الهيدروجين والكربون– ولكنه يحتوي على الفلور بدلًا من الكربون. ويستخدم الأطباء في المقام الأول الهيدروكربون المشبع بالفلور بالتلازم مع الأكسجين التكميلي؛ حيث إن الهيدروكربون المشبع بالفلور خامل كيميائيًّا، ولكنه جيد للغاية في حمل الغازات المذابة. ويمكنه أيضًا أن يحمل 20–30٪ من الغاز أكثر من الماء أو بلازما الدم، وكلما وجد كمٌّ أكبر من الغاز، حمل مزيدًا منه.

والهيدروكربون المشبع بالفلور ما زال أمامه عائقان أساسيان لابد من التغلب عليهما قبل إمكانية استخدامه كدم اصطناعي. أما الأول فإنه غير قابل للذوبان في الماء، مما يعني أنه لحمله على العمل يجب مزجه بمُستحلِب؛ مركبات دهنية تدعى الدهون، وهي قادرة على إرجاء الجسيمات الكيميائية المشبعة بالفلور الدقيقة في الدم. وأما العائق الثاني فهو قدرته على حمل كميات من الأكسجين أقل بكثير من المنتجات المستندة إلى الهيموجلوبين؛ وهذا يعني أنه يجب استخدام مزيدًا من الهيدروكربون المشبع بالفلور.

لم تكف الأبحاث الطبية عن إيجاد حلول لإصلاح الأعضاء المتضررة أو إبدالها؛ ومع ذلك، ما لم يخطر ببال أحد هو أن يتم إبدال دمائنا. فالدم أمر أساسي للبقاء على قيد الحياة، وإعداد الدم الاصطناعي يعطي فرصة أخرى لحياة كثير من المرضى؛ ويبدو أنه في هذا العهد من التقدم الطبي، كل شيء ممكن.

المراجع

howitworksdaily.com
ncbi.nlm.nih.gov
science.howstuffworks.com
the-scientist.com

 


هذا المقال نُشر لأول مرة مطبوعًا في مجلة «كوكب العلم»، عدد خريف 2014 «كيف تعمل الأشياء».


Cover image by Freepik

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2024 | مكتبة الإسكندرية