من منا لم يربكه فرق التوقيت؛ فسواء عند السفر، أو تنسيق اجتماع عبر الإنترنت، أو متابعة بث تلفزيوني عالمي، أو حتى الاتصال بأحبائنا في الخارج، يظل تتبع المناطق الزمنية المختلفة حول العالم مصدر إزعاج. ويقودنا هذا الأمر غالبًا إلى طرح فكرة بديهية بسيطة: ماذا لو اختفت فروق التوقيت العالمية؟ وللإجابة عن هذا السؤال، علينا أن نفهم أولًا أسباب وجود فروق التوقيت وآلية تنسيق المناطق الزمنية.
المناطق الزمنية
في حين يُكمل كوكب الأرض دورته السنوية حول الشمس؛ مما يسبب تغير فصول السنة مثل الصيف والشتاء، فهو يدور أيضًا حول محوره مرة كل 24 ساعة. ولأن أهل الأرض موزعون في جميع أنحاء الكوكب، فهم لا يواجهون الشمس في الوقت نفسه؛ فتشهد المناطق المواجهة للشمس فترة النهار، في حين يحل الليل على تلك البعيدة عنها. ومن ثم تتبع الدول المتشاركة في التوقيت نفسه نظام «المناطق الزمنية» في ضبط ساعاتها على نحو موحد؛ وهذا يضمن لهم الاستمتاع بشروق الشمس في ساعات الصباح الباكر وبغروبها في ساعات المساء، وهو ما يطلق عليه «التوقيت المحلي».
تُحدد المناطق الزمنية خطوط وهمية، تُعرف باسم «خطوط الطول»، وتمتد تلك الخطوط بين قطبي الأرض الشمالي والجنوبي وتتقاطع مع دوائر العرض؛ وهي خطوط وهمية أيضًا بين شرق الأرض وغربها. يوجد حول العالم ما يقرب من 24 منطقة زمنية، ويمثل كل منها ساعة واحدة من اليوم، كما يختلف توقيت كل منها بفرق ساعة واحدة عن المناطق المجاورة. وهذا التقسيم مستمد من حقيقة أن الأرض شبه كروية، لذا يمكن تقسيمها إلى 360 درجة/ قسمًا متساويًّا؛ وكل قسم أو منطقة زمنية يقدر بعرض 15 درجة؛ مما ينتج عنه 24 قسمًا/ ساعة.
خط التاريخ الدولي
تنقسم الأرض إلى نصفين شرقي وغربي من خطوط الطول، بفضل خط وهمي رئيسي يُعرف باسم «خط جرينتش»، والذي يقع عند خط الطول 0° ويمر عبر جرينتش بإنجلترا. وقد اُختير هذا المكان ليصبح معيارًا في تحديد التوقيت بجميع أنحاء العالم؛ ويُطلق على التوقيت فيه اسم «توقيت جرينتش GMT». وعندما تتجه غرب خط جرينتش، فإنك تطرح ساعة لكل منطقة زمنية تمر بها؛ أو على العكس، تضيف ساعة لكل منطقة زمنية تمر بها عندما تتجه شرقًا.
ومن هذا المنطلق، يمكننا القول إن السفر عبر الزمن بالفعل أمر حقيقي، وإن لم يكن مثلما قرأت عنه في الكتب على الأرجح! بما أن الأرض لها حدود معلومة، فكان يجب تحديد نقطة معينة لتحديد التوقيت. وهنا يأتي دور خط التاريخ الدولي IDL، إذ يبدأ منه اليوم وإليه ينتهي؛ فهو خط مقابل لخط جرينتش الرئيسي ويمتد معظمه على طول خط الطول 180° في وسط المحيط الهادئ. فعندما تعبر خط التاريخ الدولي، فإنك إما تكسب يومًا كاملًا أو تخسره؛ وذلك وفق اتجاه سفرك. فإذا سافرت غربًا (أي في اتجاه مضاد لاتجاه دوران الأرض)، فإنك تنتقل إلى اليوم التالي، وإذا سافرت شرقًا، فإنك تعود إلى اليوم السابق.
تعد جزيرتا ديوميد، أو «جزيرتا الأمس والغد»، من أشهر الأمثلة الواقعية للسفر عبر الزمن. فعلى الرغم من قرب المسافة بينهما، والتي لا تتعدى 3.8 كيلومترات، تتقدم جزيرة ديوميد الكبرى التابعة لروسيا (جزيرة الغد) على جزيرة ديوميد الصغرى التابعة للولايات المتحدة الأميركية (جزيرة الأمس) بيوم كامل تقريبًا؛ وذلك لأن الجزيرتين تقعان على جانبي خط التاريخ الدولي. فالنظرة إلى جزيرة ديوميد الكبرى من جارتها ديوميد الصغرى، ليست إطلالة مكانية فحسب، بل هي نظرة مباشرة إلى المستقبل.
حقائق مثيرة للاهتمام
- لا تلتزم المناطق الزمنية بخطوط الطول المستقيمة دائمًا؛ فهي تحيد غالبًا عن مساراتها لتتواءم مع الحدود السياسية والجغرافية.
- تضم الدول الممتدة على مساحات جغرافية شاسعة عدة مناطق زمنية؛ فعلى سبيل المثال، تضم روسيا إحدى عشرة منطقة زمنية، وتضم الولايات المتحدة الأمريكية نحو ست مناطق زمنية.
- تحدد عدة دول توقيتاتها الخاصة؛ فعلى سبيل المثال، تضم الصين من الناحية الفعلية خمس مناطق زمنية، ولكن الدولة بأكملها تتبع منطقة زمنية رسمية واحدة، وتُعرف باسم «توقيت الصين القياسي».
China/Credit: timeanddate.com
- تتبع معظم الدول صغيرة المساحة المنطقة الزمنية نفسها، حتى لو وقع جزء منها خارج خط الطول، ومن أمثلتها بلجيكا، والدنمارك، ولبنان، وسنغافورة، وسويسرا؛ وذلك تيسيرًا للحياة اليومية والأعمال والاتصالات على مستوى الدولة.
- تعتمد بعض الدول نظامًا يُعدل مناطقها الزمنية بكسور الساعة عوضًا عن الساعة الكاملة؛ وذلك لمواءمة التوقيت الوطني مع التوقيت الشمسي المحلي لخط الزوال المركزي فيها بدقة؛ فعلى سبيل المثال، يبلغ فارق توقيت الهند عن توقيت جرينتش خمس ساعات ونصف.
بعد أن فهمنا كيفية عمل نظام المناطق الزمنية، قد يظل السؤال يراودنا: ماذا لو اختفت فروق التوقيت العالمية، واعتمدنا ببساطة توقيت عالمي موحد؟ قد يبدو هذا الأمر سهلاً، خاصةً أننا عرضنا بعض الدول التي تعدل ساعاتها بالفعل وفق مناطق زمنية معينة، أو معرفتنا بأخرى تقدم ساعاتها وتؤخرها من أجل اتباع التوقيت الصيفي. نتناول في مقالنا القادم تلك المفاهيم عن كثب، كما نستكشف مزاياها المحتملة، والتحديات والتعقيدات التي قد تتسبب فيها.
المراجع
bbc.co.uk
earthobservatory.nasa.gov
learningresources.com
livescience.com
momatos.in
oceanservice.noaa.gov
pacioos.hawaii.edu
sciencemuseum.org.uk
timeanddate.com
Cover image by Freepik