يزخر عالم البحار والمحيطات بكنوز دفينة لم يكتشفها الإنسان بعد، ويمتاز بتنوع كائناته الحية سواء كانت نباتية أو حيوانية. ومع ازدهار التكنولوجيا وتطور معدات الغوص تحت الماء، أصبح أمام الإنسان فرصة أكبر من ذي قبل لاستكشاف هذا العالم. وفي خلال الأعوام الأخيرة، تمكن الباحثون من استخراج كثير من الأدوية من الكائنات البحرية، مثل الإسفنج، والمرجان والطحالب.
تنتمي الطحالب إلى مملكة الأوليات، وهي إما تكون وحيدة الخلية مثل الدياتومات أو متعددة الخلايا مثل الأعشاب البحرية، ومن أنواعها الطحالب البنية، والحمراء، والخضراء. تتشابه الطحالب مع النباتات في أنها تحتوي البلاستيدات الخضراء وتقوم بعملية البناء الضوئي للحصول على الطاقة، ولكنها لا تمتلك جذور وسيقان وأوراق مثلها. وبعض الأنواع له أوجه تشابه مع الحيوانات؛ إذ تتحرك بالأقدام الكاذبة أو الأسواط.
تعيش الطحالب الدقيقة معلقة في الماء، مكونةً العوالق النباتية التي هي الغذاء الرئيسي لمعظم الأنظمة البيئية. أما الطحالب متعددة الخلايا، فقد تنمو ويصبح حجمها في مثل حجم الأشجار، مكونةً غابات أعشاب البحر وهي مصدر رئيسي للغذاء للأنظمة البيئية في المياه الباردة. وتستطيع الطحالب العيش في الظروف القاسية، بسبب المواد الكيميائية المترسبة بجدار الخلية.
وللطحالب دور حيوي على كوكب الأرض، فهي تحافظ على مستوى ثاني أكسيد الكربون، وتقي من تغيرات المناخ. أما عن استخداماتها في الصناعة، فهي تدخل في صناعة الوقود الحيوي، والغذاء، والأدوية، ومستحضرات التجميل، والمكملات الغذائية. تستخدم الطحالب مكملاتٍ غذائية نظرًا لاحتوائها مواد مثل الكاروتينات، وهي ذات خصائص مضادة للأكسدة. كما تحتوي الطحالب جميع أنواع الأحماض الأمينية التي لا يصنعها جسم الإنسان، وهي ضرورية للوقاية من الجذور الحرة.
تُستخدم الطحالب أيضًا في تطوير الأدوية نظرًا لاحتوائها مركبات كيميائية وحيوية ذات خصائص متنوعة. وتحتوي بعض الطحالب أليافًا وبروتينات مضادة للالتهاب وأخرى مضادة للبكتيريا والفطريات والفيروسات. علاوة على هذا، تحتوي عديدًا من المركبات مثل: الدهون، والستيرويدات، وعديد السكريات، والأحماض الدهنية، والفيتامينات. لكن، مازال مجال تطوير الأدوية المعتمد على الطحالب في مهده، وفيما يلي نستعرض بعض الدراسات المختلفة عن الطحالب واستخدامها في تطوير الأدوية.
عكف باحثون في جامعة فلوريدا والمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي التابع لمؤسسة سميثسونيان على دراسة الطحالب الخضراء المزرقة، وهي كائنات وحيدة الخلية تعيش في المياه وعلى اليابسة. تتواصل هذه الطحالب وتدافع عن نفسها من خلال إفراز المركبات الكيميائية. وبدراسة هذه المركبات وخصائصها الطبية، اكتشفوا أن أحد أنواع الطحالب الخضراء المزرقة يفرز مادة تسمى «جاتروبيولين 1» 1-Gatrobulin، لها تأثير مضاد للسرطان. درس الباحثون هذا المركب وطريقته في القضاء على السرطان، فوجدوه أنه يستهدف بروتين الـ«تيوبيولين» Tubulin الذي له دور في انقسام الخلية. وعلى الرغم من توافر دواء مضاد للسرطان يستهدف التيوبيولين، وجد الباحثون أنه يعمل بطريقة مختلفة.
يُمكن استخدام الطحالب في إنتاج بروتينات معينة تُستخدم في صناعة الأدوية الحيوية. فاستخدم باحثون في جامعة كاليفورنيا بسان دييجو تقنيات الهندسة الوراثية لإدخال بعض الجينات إلى الطحالب الخضراء Chlamydomonas reinhardtii بهدف إنتاج عدة بروتينات.
وقد بدأ دخول الأدوية البيولوجية المعتمدة على البروتين معاد التركيب أو المأشوب إلى السوق في عام 1982. ولإنتاج هذه الأدوية، تُستخدم مزارع خلايا بكتيرية أو خميرة أو مزارع خلايا ثدييةK مثل خلايا مبيض الهامستر الصيني. ويتكلف إنشاء المصنع الواحد 400 مليون دولار، أما تكلفة المصنع المعتمد على الطحالب فهي 20 مليون دولار فقط، إذ أنه لا يحتاج إلا ما هو لازم لإتمام عملية البناء الضوئي من ضوء الشمس وثاني أكسيد الكربون والماء إضافة إلى رخص ثمن الطحالب الخضراء. وإذا استخدمت الطحالب في إنتاج الأدوية البيولوجية المعالجة للسرطان والتصلب المتعدد، فإن ثمن تلك الأدوية سيقل.
وفي دراسة بجامعة جنوب أستراليا، تمكن باحثون باستخدام الهندسة الوراثية من استخدام الطحالب لتوصيل أدوية السرطان إلى الخلايا المستهدفة. وعادة، تستخدم أنظمة توصيل الأدوية المعتمدة على تكنولوجيا النانو الجرافين، ولكن في تلك الدراسة استخدم الباحثون نوعًا من الدياتومات بدلًا من الجرافين. لهذه الدياتومات هيكل مكون من السليكا، وهي مادة لا تتآكل بسرعة وقابلة للتحلل. عُدلت الدياتومات وغُطت بطبقة من الأجسام المضادة تستهدف الخلايا السرطانية. اُختبر هذا النظام معمليًّا وعلى الفئران، وأشارت النتائج إلى فاعليته.
تنتظر صناعة الأدوية مستقبلًا واعدًا للأدوية المعتمدة على الطحالب، ونأمل أن تنافس تلك الأدوية نظيرتها المعروفة في السوق من حيث الكفاءة والتكلفة.
المراجع
bio.libretexts.org
thoughtco.com
smithsonianmag.com
news-medical.net
nature.com
scripps.ucsd.edu
iflscience.com