الكيمياء النووية؛ العلم الذي يُغيِّر العالم

شارك

هل تساءلت يومًا عن القوة الهائلة الكامنة داخل أصغر مكونات المادة؟ هل فكرت كيف يمكن لتغيرات طفيفة في نواة الذرة أن تطلق طاقةً تكفي لإضاءة مدن بأكملها أو تسبب دمارًا لا يوصف؟ هذا هو عالم الكيمياء النووية، فرع العلم الذي يغوص في أعمق أسرار المادة، مستكشفًا تركيب النواة الذرية، والتفاعلات التي تحدث داخلها، وكذلك التطبيقات الهائلة لتلك التفاعلات.

تختلف الكيمياء النووية جوهريًّا عن الكيمياء التقليدية التي تركز على التفاعلات بين الإلكترونات الخارجية للذرات. ففي الكيمياء النووية، ينصب الاهتمام على النواة نفسها، تلك الكتلة الكثيفة المتمركزة في قلب الذرة والتي تتكون من البروتونات والنيوترونات. إن التغيرات التي تطرأ على هذه المكونات هي ما يحدد النشاط الإشعاعي، أو الانشطار النووي، أو الاندماج النووي. فعلى سبيل المثال، اضمحلال نظائر مثل اليورانيوم-238 يطلق جسيمات وطاقة، وهي ظاهرة طبيعية تستخدم في تحديد عمر الصخور والآثار القديمة.

إن تطبيقات الكيمياء النووية واسعة ومتنوعة، وتمس جوانب متعددة من حياتنا. ففي مجال الطب، تُستخدم النظائر المشعة في التشخيص والعلاج، مثل التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني PET الذي يكشف عن الأورام والأمراض، والعلاج الإشعاعي الذي يستهدف الخلايا السرطانية. وفي مجال توليد الطاقة، تُعد المفاعلات النووية مصدرًا مهمًّا لإنتاج الكهرباء، ويحدث ذلك عند التحكم في عملية الانشطار النووي لإنتاج كميات هائلة من الطاقة دون انبعاث غازات الاحتباس الحراري. كذلك تؤدي الكيمياء النووية دورًا حاسمًا في المجال الصناعي، إذ تُستخدم التقنيات الإشعاعية لتعقيم المعدات، واكتشاف العيوب في المواد، وتتبع تدفق السوائل في خطوط الأنابيب.

ورغم تلك الفوائد الجمة، فيتجلى الجانب الأكثر قتامة لهذا العلم في تطوير الأسلحة النووية، مثل القنابل الذرية والهيدروجينية، التي تعتمد على مبادئ الانشطار والاندماج النووي لإطلاق طاقة تدميرية هائلة وغير مسبوقة. وقد أظهر استخدام هذه الأسلحة في الحروب، كما حدث في هيروشيما وناجازاكي، القدرة المدمرة للإشعاعات النووية، التي تسبب أمراضًا مميتة وتشوهات خلقية وتلوثًا بيئيًّا يدوم لعقود. وتُعد كارثة مفاعل تشرنوبل للطاقة النووية بتاريخ 26 أبريل 1986حادثًا نوويًّا مروعًا، بل تُصنف الأسوأ في تاريخ محطات الطاقة النووية على الإطلاق. فقد نتج عن انصهار نووي في أحد المفاعلات اندلاع حريق هائل، ودفع سحابة ضخمة من المواد المشعة انتشرت لتغطي مساحات شاسعة من أوروبا بأكملها.

يمكن أن يتسبب التعرض لمستويات عالية جدًّا من الإشعاع في آثار صحية حادة وفورية، تشمل حروق الجلد والمتلازمة الإشعاعية الحادة المعروفة باسم مرض الإشعاع. علاوة على ذلك، قد يؤدي هذا التعرض إلى آثار صحية طويلة الأمد مثل الإصابة بمرض السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية. أما التعرض لمستويات منخفضة من الإشعاع الموجود في البيئة بشكل طبيعي، فلا يسبب آثارًا صحية فورية، لكنه يُعتبر مساهمًا بسيطًا في زيادة خطر الإصابة بالسرطان بشكل عام.

يتطلب التحصين من الإشعاعات النووية اتخاذ تدابير وقائية صارمة، خاصة بالنسبة للمدنيين في حالات الطوارئ. وتشمل هذه التدابير –بالإضافة إلى استخدام الدروع الواقية المصنوعة من الرصاص أو الخرسانة السميكة في المنشآت المتخصصة– الابتعاد الفوري عن مصادر الإشعاع قدر الإمكان والالتزام ببروتوكولات السلامة الصارمة التي تصدرها السلطات المحلية، والتي قد تتضمن البقاء في الأماكن المغلقة –مثل الملاجئ أو المباني ذات الجدران السميكة والنوافذ محكمة الإغلاق– لتجنب التعرض المباشر. كما يُنصح بتناول بعض الأدوية، مثل يوديد البوتاسيوم، في حالات التعرض المحتمل للإشعاع، وذلك للحد من امتصاص الغدة الدرقية لليود المشع وحمايتها.

تتطلب إدارة النفايات المشعة التي يدوم خطرها لآلاف السنين حلولًا هندسية معقدة وتخزينًا آمنًا على المدى الطويل. ولأن مخاطر الانتشار النووي واحتمال استخدام المواد المشعة في أغراض غير سلمية تثير قلقًا عالميًا، فإن الأمر يستدعي رقابة صارمة وجهودًا دولية لمنع هذه التهديدات.

في ضوء التطورات المتسارعة في فهمنا للعالم دون الذري، وفي ظل الحاجة المتزايدة لمصادر طاقة نظيفة ومستدامة، هل يمكن للكيمياء النووية أن تتجاوز المخاوف الحالية لتقدم حلولًا غير متوقعة لتحديات الطاقة والصحة والبيئة في المستقبل وتساهم في بناء عالم أكثر أمانًا وازدهارًا؟

المراجع

acs.org

chem.libretexts.org

epa.gov

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2026 | مكتبة الإسكندرية