نساء مصريات لهن الفضل في تعليم الفتيات

شارك

عانت النساء على مر التاريخ من المجتمعات؛ فدائمًا ما كان هناك أمر أو آخر اعتُبرَت النساء أقل شأنًا منه، أو غير قادرات على القيام به، أو بمنتهى البساطة ممنوعات منه. فاعتبرت بعض الحضارات النساء مجرد منتجات للأطفال وقصرت دورهن على تربية الأبناء فحسب، في حين أعطتهن حضارات أخرى قليلًا من الحرية؛ فسمحت لهن بالعمل في الحقول، أو كطبيبات، أو في الأسواق.

وعلى العكس فإن بعض الحضارات الأخرى عكست الأدوار التقليدية للرجال والنساء، إلا أنني أعتقد أن القاعدة العامة في معظم المجتمعات في التاريخ هي أن النساء لم يُسمَح لهن باستغلال قدراتهن بالكامل. وبصفتي مناصرًا لقضية المرأة فإنني أعتقد أن ذلك الوضع كان – ولا يزال إلى حد ما – ظلمًا كثيرًا، ومصر لم تكن قط بمنأى عن أي من ذلك.

على الرغم من تلك الظروف فإن هناك عديدًا من الأمثلة في التاريخ المصري التي أثبتت أن النساء لم يكن دائمًا في الوضع السيئ الذي كن فيه في نهاية القرن التاسع عشر. فبالفعل شهدنا عصورًا كانت فيها النساء ملكات وقائدات، كما شاركن في نواحٍ كثيرة من المجتمع. إلا أنه مع تدهور حالة العالم العربي ومصر بصفتها جزءًا منه، أصبح الوضع في ذلك الوقت بعيدًا كل البعد عن المثالية.

كان الاختلاط مع الرجال من خارج جماعتهن ممنوعًا على النساء منعًا باتًّا، مما جعل عملهن حتى حصولهن على التعليم بعد بلوغهن أمرًا مستحيلاً. وقد فضلت كثير من العائلات تعليم بناتهم بالمنزل بصفة عامة، دون السماح لهن بالذهاب إلى المدرسة. وقد بدأ كل ذلك في التغير بفضل مجموعة من النساء الشجاعات اللاتي تحدين القواعد المقيدة للمجتمع وحاربن من أجل حقوقهن.

الأميرة فاطمة إسماعيل

 Source: wikimedia.org

هي ابنة الخديوي إسماعيل الذي حكم مصر عام 1863 ولمدة ستة عشر عامًا، وبالطبع كانت ثرية؛ فقد امتلكت أراضي زراعية في أماكن عديدة من البلاد. إلا أنها عوضًا عن أن تستمتع بذلك الثراء قررت أن تستثمره في شيء إيجابي.

عندما أبلغها طبيبها محمد علوي باشا – وقد كان عضوًا في لجنة خاصة كرست لإنشاء جامعة مدنية في مصر – بالفكرة والمشكلات المالية التي تواجهها، قررت أن تساعد. فتبرعت بستة فدادين من الأراضي في القاهرة، كما خصصت ريع 661 فدانًا من أراضيها الزراعية لإنشاء الجامعة، حتى إنها باعت مجوهراتها الخاصة للحصول على المزيد من المال. هكذا ندين جميعًا للأميرة فاطمة بالفضل في إنشاء جامعة القاهرة.

وقد تأسست الجامعة في 1908، ولكنها لم تقبل النساء في بادئ الأمر. وللأسف فإن راعية جامعة القاهرة الأميرة فاطمة قد توفيت عام 1920 قبل أن تشهد دخول النساء الجامعة؛ حيث بدأت الجامعة في قبول النساء في عام 1928، أي بعد عشرين عامًا من إنشائها. وقد اعتبرت الأميرة فاطمة الإلهام الأساسي وراء ذلك القرار؛ فلا يعقل أن يستمر رفض قبول النساء في جامعة تدين بوجودها لإحداهن.

هدى شعراوي

Source: africanfeministforum.com

ولدت هدى شعراوي في ذروة قمع النساء في مصر. ولأنها لم تكن أميرة أو فلاحة، فقد عاشت هدى الحياة المصرية التقليدية؛ حيث تعلمت بالمنزل، وكان لأخيها الأصغر منها سنًّا الأفضلية عليها، كما تزوجت من قريب لها يكبرها بأربعين عامًا، وهو علي شعراوي.

شرحت هدى في كتابها "سنوات الحرملك" كيف أشعلت طفولتها وزواجها المبكر مقتها للنظام الذكوري الذي نشأت فيه؛ فألهمتها تجربتها الشخصية لتلعب الدور الذي لعبته في تنوير المرأة المصرية. ومع ذلك فقد كان زواجها ذا منفعة متبادلة؛ حيث لجأ علي كثيرًا إلى رأي زوجته فيما يتعلق بالأمور السياسية، كما دعم تطلعاتها وأنشطتها.

شاركت هدى في ثورة 1919 العظيمة؛ حيث أصبحت إحدى قائدات المسيرات النسائية، كما أسست لجنة للنساء في حزب الوفد وكانت هي المشرفة عليها. وبعد عودتها من اجتماع المجلس الدولي للمرأة في أوروبا في عشرينيات القرن الماضي، والذي حضرته بصفتها ممثلة عن مصر، أسست هدى المجلس المصري للمرأة. وقد دعا المجلس تحت رئاستها للمساواة بين الرجال والنساء في كل شيء وأمام القضاء، ومن بين تلك الأمور تعليم النساء بالطبع.

نبوية موسى

Source: wikipedia.org

عاشت نبوية موسى مع أمها وأخواتها في القاهرة، وقد درست بالمنزل مثلها مثل عديد من الفتيات المصريات في أواخر القرن التاسع عشر. وبعد أن عَلَّمَت نفسها اللغة الإنجليزية والرياضيات، شعرت نبوية بالرغبة في المزيد؛ فنجحت في الالتحاق بمدرسة ابتدائية للفتيات، وحصلت على دبلوم التدريس في عام 1908، ومن ثَمَّ عينت مُدَرِّسة في مَدرِّسة ابتدائية للفتيات.

في ذلك الوقت بدأت نبوية في التعبير عن آرائها، بكتابتها في إصدارات متنوعة. فقد لاحظت نبوية أن الرجال الذين يقومون بنفس عملها يحصلون على راتب أكبر من ذلك الذي تحصل عليه. فقدمت شكوى رسمية لوزارة التعليم، إلا أن الشكوى رُفِضَت؛ حيث ادَّعَت الوزارة أن الرجال المدرسين في نفس المدرسة التي تعمل بها حاصلون على دبلومة المدرسة الثانوية، ومن ثَمَّ يستحقون راتبًا أعلى.

ولرفضها الاستسلام شرعت نبوية في الحصول على تلك الدبلومة؛ إلا أن المشكلة كانت تكمن في عدم وجود مدارس ثانوية للفتيات في ذلك الوقت. لذلك اضطرت نبوية للدراسة لامتحانات الثانوية العامة بنفسها، وبمواجهتها تلك للمجتمع بأسره أصبحت المرأة الأولى في تاريخ مصر التي تنجح في التخرج في المدرسة الثانوية.

وقد توالت النجاحات على الرغم من محاولات المجتمع، والحزب السياسي الرئيسي في ذلك الوقت – حزب الوفد – وكذلك الاحتلال البريطاني لوقفها. فبعد أن فصلت من عملها كمُدَرِّسة لكتابتها ما اعتبروه مقالات مُحرضة تدعو لمعاملة وتعليم أفضل للنساء، قامت بمقاضاتهم؛ حيث حصلت على تعويض جيد بلغ خمسة آلاف جنيه مصري، وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت.

استخدمت نبوية تلك النقود للانتقال إلى الإسكندرية، وبناء مدرسة هي معهد مجاني للتعليم الابتدائي للفتيات. وبالإضافة إلى كل ذلك لم تَكِل من الدعوة في جميع أنحاء البلاد بتعليم الفتيات، وحضور مؤتمرات حقوق المرأة، والمشاركة في تأسيس المجلس المصري للمرأة.

غيرهن الكثيرات

هناك عديد من النساء اللاتي لا حصر لهن في تاريخ مصر واللاتي كافحن من أجل الفتيات، وحقوقهن، وتعليمهن. فهناك مَلَك حفني – أول امرأة مصرية تتخرج في مدرسة ابتدائية – وسهير القلماوي – أول إمرأة مصرية تدخل جامعة القاهرة، وكاتبة غزيرة الإنتاج، ورمز سياسي، وأحد مؤسسي معرض القاهرة الدولي للكتاب.

ودعونا لا ننسى الجنوب؛ حيث كان المجتمع شديد الانغلاق، وحيث جاءت أمينة السعيد  إحدى أكبر ناشطات حقوق المرأة في تاريخ مصر. وأخيرًا ولكن ليس آخرًا، هناك دُرية شفيق، التي تدين لها النساء بالحق في التصويت، وأن يكون لهن تمثيل في مجلس الشعب منذ دستور 1956.

والنساء اليوم أكثر تحررًا بكثير عمَّا سبق؛ إلا أنه مع التحديات الاقتصادية والسياسية في مصر مؤخرًا فإنهن يواجهن تحديات عظيمة في مجتمعنا. وأنا – بصفتي نصيرًا لقضية المرأة – آمل أن تستمر الأوضاع في التحسن، وليس التدهور، مستقبلاً، وأن يمكننا استخدام التقنيات الحديثة المتاحة لنا الآن لتمكين المرأة والكفاح أكثر من أجل حقوقهن، وألا نستسلم حتى يحصلن على جميعها.

المراجع

newsroom.macleay.net

wisemuslimwomen.org


هذا المقال نُشر لأول مرة مطبوعًا في مجلة كوكب العلم، عدد ربيع 2015.


Cover image source: wlahawogohokhra.com

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2025 | مكتبة الإسكندرية