مذنب هالي وكوكب أورانوس: اكتشافان بالصدفة

شارك

الصدفة الأولى

كان ويليام هرتشل أخًا ضمن عشرة إخوة مات منهم أربعة في سن الشباب. وكان والده عازفًا وقائدًا لفرقة موسيقية في الجيش، وكانت والدته ربة منزل تجهل القراءة والكتابة. منذ صغره، بدت عليه علامات النبوغ والتميز وخاصة في الرياضيات وعلوم اللغات. وهو في سن الخامسة عشرة ضمه والده إلى الفرقة الموسيقية، ومع قيام الحرب بين فرنسا وبريطانيا عام 1753 سُرِّح من الفرقة الموسيقية. في متحف ويليام هرتشل، في مدينة باث بإنجلترا، توجد صورة له وهو ضمن أعضاء الفرقة الموسيقية وشهادة بالاستغناء عنه بعد ذلك.

عاش مع أخته التي كانت تعاني ماديًّا؛ فاشتغل ويليام عازفًا على آلة الأورج ليساعدها على أعباء الحياة. ذاع صيته كعازف موسيقي حتى عام 1767؛ بعد ذلك كرَّس كل وقته وفراغه لعلم الفلك والرياضيات. وقد قرأ كتابًا في علم الفلك وهو في الخامسة والثلاثين من عمره؛ فاستمتع به جدًّا وبلغ من اهتمامه به أنه قرر البدء في تصنيع تلسكوب خاص به. نجح بعد مائتي محاولة فاشلة في استخدام تلسكوبه الأول بقطر 5.5 بوصات؛ إذ وجهه صوب مجموعة نجوم الصياد Orion constellation ورصد فيها سديمًا غريبًا؛ وكانت هذه هي نقطة التحول.

كان لويليام صديق يسكن جواره يُدعى ويليام واتسون. وقد رصد معه الجسم الغريب الذي رآه هرتشل وكتب تقريرًا عنه، وقدمه إلى الجمعية الملكية كاكتشاف جديد غير معروف ظنوه في بداية الأمر مُذنَّبًا. خدمت الصدفة هرتشل في هذا الاكتشاف؛ إذ كان الملك جورج الثالث هاويًا للعلم وجامعًا للأجهزة، وقرأ تقرير واتسون عن هرتشل واكتشافه فدعاه الملك إلى القصر ووفر له الميزانية التي يحتاج إليها في صناعة منظار كبير وحدد له راتبًا سنويًّا. فعمل هرتشل بالفلك وعكف على الأرصاد الفلكية، وركز أرصاده في الجسم الذي رآه في بادئ الأمر. وبمتابعة الرصد له، وباستخدام تلسكوب أكبر، تبين أنه لم يكن مذنَّبًا بل كوكب جديد سماه الاتحاد الدولي الفلكي فيما بعد باسم أورانوس، الكوكب الشهير.

الصدفة الثانية

Source: tumblr.com

ولد إدموند هالي عام 1656، وكان والده صانع صابون وسمسار عقارات في لندن. نال تعليمه الأول في المنزل قبل أن يلتحق بمدرسة القديس بولس، كما كان يهتم بالرياضيات والفلك. عند بلوغه سن السابعة عشرة التحق بجامعة أكسفورد، وكانت والدته قد اشترت له أدوات فلكية، وأشرف عليه في الجامعة الفلكي الملكي الشهير جون فلامستيد. قام هالي بعمليات رصد هائلة منها تضاريس المريخ والقمر والبقع الشمسية وكان ذلك في عام 1673.

في عام 1676، ترك دراسته واتجه إلى لعب الملاكمة، ثم ترك لندن متجهًا إلى جزيرة سانت هيلانة جنوب المحيط الأطلنطي، وعاود اهتمامه مرة أخرى بالأرصاد الفلكية ولكن من باب الهواية. فقام بفهرسة 341 نجمًا من نجوم نصف الكرة الجنوبية واكتشف مجموعة نجوم جديدة. ورصد عبور كوكب عطارد أمام الشمس – وهذا يُعد سبقًا علميًّا وتاريخيًّا –وكتب بحثًا عن إمكان استخدام مرور كوكب الزهرة أمام الشمس، مثل عبور كوكب عطارد، في الحسابات الفلكية لقياس حجم النظام الشمسي.

في عام 1678، اشتهر هالي كفلكي وأصدر الملك تشارلز الثاني مرسومًا بإعادته إلى جامعة أكسفورد وانتخابه عضوًا في الجمعية الملكية ولم يكن قد بلغ الثانية والعشرين من عمره بعد. توالت بعد ذلك إنجازات هالي الرصدية، ونشر عديدًا من تلك الأرصاد أولًا بأول. ولكن أهم إنجازاته الفلكية على الإطلاق هو التنبؤ بعودة مذنب، مات هو قبل أن يراه.

قصة اكتشاف وعودة المذنب بدأت عندما نشر إسحق نيوتن كتاب «المبادئ»، ومن ضمن ما جاء فيه أنه يشتبه في اثنين من المذنبات المتتالية عامي 1680 و1681 كانتا للمذنب نفسه، ولكنه لم يستطع إثبات ذلك. ولكن عندما نشر إدموند هالي كتاب «خلاصة علم الفلك»، استخدم قوانين نيوتن لحساب تأثير جاذبية كوكبي المشتري وزحل على مدارات المذنبات؛ وفحص وتتبع العناصر المدارية للمذنبين اللذين أشار إليهما نيوتن، وبالحساب النظري تنبأ بعودة ذلك المذنب والذي تبلغ دورته حول الشمس مرة كل 76 سنة.

توفي هالي عام 1742 وعمره 86 سنة، وترك ثلاثة أبناء: مارغريت، وريشيل، وإدموند. ولم يرَ المذنب الذي اكتشفه وتنبأ بعودته. وأول من رصد هذا المذنب كان مزارعًا ألمانيًّا هاويًا للفلك ومحبًّا للأرصاد، وكان ذلك يوم 25 ديسمبر 1758. اختلفت تواريخ هالي عن ميعاد الرصد الحقيقي بمدة شهر واحد، فسره العلماء – وقتها – بسبب تأثير قوة جذب المشتري تمامًا كما أشار هالي في كتابه قبل وفاته. وقد سمي المذنب لأول مرة على شرف إدموند هالي بواسطة الفلكي الفرنسي نيكولاس لويس دو لكيل في عام 1759.


هذا المقال نُشر لأول مرة مطبوعًا في مجلة كوكب العلم، عدد شتاء 2020.


Cover image: source.

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2025 | مكتبة الإسكندرية