لا يكاد يخلو حديث أو جلسة أو خبر من ذكر الذكاء الاصطناعي وكيف يغير شكل الحاضر والمستقبل، فالجميع قلقون من الذكاء الاصطناعي الذي سيأخذ وظائفهم أو حتى يقضي عليها تمامًا. بينما انقسم الناس إلى مؤيد لاستخدام الذكاء الاصطناعي ومعارض له، ظهر له تأثيرًا آخر ربما لم ندرك خطورته بعد؛ وهو تأثيره في العلاقات الإنسانية.
في وقت أصبح فيه الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، لم تعد المشكلة الأكبر أن يأخذ الذكاء الاصطناعي وظائفنا، بل أن يحل الذكاء الاصطناعي محل البشر في العلاقات الإنسانية؛ أن يستغنى الناس عن الناس، وأن يُستبدل الذكاء الاصطناعي بالبشر. على الرغم من التحذيرات التي يعلو صوتها من خطورة الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي الذي قد يؤدي إلى تراجع القدرات العقلية ومهارات التفكير، فإن تأثيره في العلاقات الإنسانية والمشاعر ربما يكون أعمق بكثير.
لم تعد تقتصر علاقة الإنسان بالذكاء الاصطناعي على أداء بعض المهام أو البحث عن موضوع معين أو حتى أخذ نصيحة طبية، بل ذهب الأمر إلى أبعد من ذلك، فقد اتخذه البعض خليلًا، ولم لا وقد أصبح يعرف كل شيء عنه: هواياته، عاداته، وظيفته، طعامه المفضل، وحتى ما يحب ويكره. ولا يمل الذكاء الاصطناعي أبدًا ولا يفتر حماسه؛ فكلما تحدثت معه ارتبطت به أكثر به وزاد عمق الصلة بينكما، تمامًا مثلما يحدث عندما تتحدث مع الإنسان. إلا أن الذكاء الاصطناعي لا تنضب نصائحه ولا يعجزه سؤال؛ فهو لا يتأخر في الإجابة ولا يمل حتى تمل، فيجده البعض رفيقًا مثاليًّا يتحدث إليهم دون انقطاع لساعات وساعات، فهو هنا دائمًا.
تختلف الأسباب التي تدفع البشر إلى بناء علاقات مع الذكاء الاصطناعي تشبه العلاقات الإنسانية من شخص لآخر، لكن بشكل عام بعد ظهور وسائل التواصل الاجتماعي قل التواصل الحقيقي بين البشر على نحو كبير. من ثم اُختزلت العلاقات في بضع كلمات أو رسائل؛ فأصبح الانعزال والوحدة هما سمة هذا العصر، وأصبحت البيئة ممهدة ليملأ الذكاء الاصطناعي هذا الفراغ.
كذلك، في علاقتك مع الذكاء الاصطناعي أنت محور الاهتمام ولا أحد غيرك؛ فلن تتحمل عبء مراعاة مشاعر الطرف الآخر ومحاولة تلبية احتياجاته كما يحدث في العلاقات الإنسانية. أدى التطور الرهيب في قدرات الذكاء الاصطناعي إلى قدرته على التفاعل معك مثل البشر، بدءًا من تذكر المحادثات السابقة بينكما حتى إظهار المشاعر والتعاطف معك، علاوة على أن الأجيال الجديدة تكون أكثر استعدادًا لبناء علاقات غير تقليدية وانفتاحًا على التفاعل الرقمي.
ظهرت عديد من التطبيقات التي تساعد مستخدميها على تصميم شخصيات بالذكاء الاصطناعي وتمنحهم مساحات للتعبير عن أنفسهم دون خوف أو تردد، ومن أبرزها تطبيق ريبليكا Replika؛ حيث أقرت إحدى مصمميه أن فكرة التطبيق جاءتها بعد فقدانها صديقها، فأرادات أن تصنع منه نسخة إلكترونية لتتغلب على حزنها ووحدتها بعد فراقه. لا يقتصر هذا التطبيق على الرد والتفاعل مع مستخدميه دون انقطاع، بل يمنحهم الدعم العاطفي وربما يتطور الأمر إلى علاقة رومانسية، وهو ما سيؤثر في العلاقات الإنسانية بشكل كبير.
على الرغم من أن استخدام الذكاء الاصطناعي له فوائد متعددة مثل تنمية المهارات الاجتماعية وزيادة الثقة بالنفس خاصة لأولئك الذين يعانون من الرهاب الاجتماعي وغيره من الاضطرابات النفسية، إلا أن الاستخدام المفرط له سيؤدي إلى مزيد من العزلة الاجتماعية، فقد يفضل البعض العلاقة غير المعقدة مع الذكاء الاصطناعي على العلاقة مع البشر وما يصاحبها من تعقيدات وتحديات.
هناك أيضًا الاعتبارات الأخلاقية التي تحيط بوضع الذكاء الاصطناعي في منزلة الرفيق أو الصديق والتعلق ببرامج لا تملك مشاعر حقيقية، فتثير أمور تتعلق بفهم طبيعة التعاطف والمودة وما تعنيه العلاقات الإنسانية.
لا يزال مستقبل العلاقة بين البشر والذكاء الاصطناعي وتأثيره في علاقاتهم الاجتماعية مبهمة، فمن الصعب التنبؤ بمدى تغييره لشكل العلاقة بين البشر وبعضهم وبينهم وبين الذكاء الاصطناعي، إلا أنه ينبغي لنا أن نضع الذكاء الاصطناعي في مكانه الصحيح، فهو أداة مساعدة تساعدنا على الإنجاز والتطور، فيجب أن نسيطر نحن عليه لا أن نكون تحت سيطرته.
المراجع
psychologytoday.com
neurosciencenews.com
forbes.com
researchgate.net