مذاق الثقافة

شارك

لا يوجد أدنى شك في أن الطعام جزء لا يتجزأ من أية ثقافة؛ فيعكس الناس تراثهم من خلال الطعام بعدة طرق. ولكن الأمر يمتد لما هو أبعد من أنواع الطعام والمطابخ المختلفة الخاصة بكل بلد أو منطقة؛ حيث يلعب الطعام بالأحرى دورًا كبيرًا في التفاعلات الاجتماعية والعادات الثقافية لمختلف الشعوب.

فيمكنك القول أن ما تأكله الشعوب وطريقة تناولهم له يتأثر وبدرجة كبيرة بثقافتهم؛ بمعنى آخر، بطريقة ترعرعهم. وفي هذا الصدد، فللثقافة أو السلوك الاجتماعي تأثير كبير على أسلوب حياة الفرد وصحته أيضًا.

ففي بعض الثقافات، والتي تعتبر أصحها، كما في أوكيناوا باليابان، يكون الطعام صحيًّا للغاية؛ حيث يعتمدون بشكل أساسي على تناول الفاكهة، والخضروات، والأسماك. ولأن أسلوب حياتهم مفعم بالحيوية وطعامهم صحي للغاية، فإن شعب أوكيناوا من الشعوب الأطول عمرًا على مستوى العالم، وبالتأكيد من أصحها. فيمكن أن تقضي سيدة في عمر الثمانين من عمرها يومها في العمل الشاق.

ما هو أكثر إثارة للاهتمام هو التفاعلات الاجتماعية وثقافة شعب أوكيناوا عندما يتعلق الأمر بالطعام. فمن غير المقبول اجتماعيًّا الإفراط في تناول الطعام. ولأن عملهم ورزقهم يعتمد على صحة ونشاط كل فرد من أفراد المجتمع، فمن غير المقبول اجتماعيًّا اكتساب الوزن. وبالتالي، فالسمنة ليست خيارًا لشعب أوكيناوا الصحي. بمعنى آخر، هذه ثقافة يتناول شعبها طعامًا صحيًّا، وسلوكها الاجتماعي ما هو إلا حافز لأسلوب معيشة صحي. فلا عجب أنهم من أصح شعوب الأرض.

وفي ثقافات أخرى، يصاحب شعوبها الأصحاء بعض من الغموض. فالنساء الفرنسيات على سبيل المثال محض اهتمام كثير من الباحثين؛ وذلك ببساطة لأن المطبخ الفرنسي ليس صحيًّا بالمرة. فعلى الرغم من شهرة الفرنسيين بولعهم بالزبدة، فإن الفرنسيات نحيفات بصفة عامة، وهو ما يطرح العديد من الأسئلة.

في هذه الحالة، نجد أن للثقافة والسلوك الاجتماعي دورًا كبيرًا. فيتربى الفرنسيون على الاستمتاع بالطعام؛ بطعمه، وملمسه، وطريقة طبخه، إلا أن الأمر الأهم في هذا الصدد هو أنهم يتربون على التوقف عن تناول الطعام بمجرد البدء في الشعور بالشبع. فيشتكي الرواد الأمريكيون دائمًا من كميات الطعام الصغيرة التي تقدمها المطاعم الفرنسية، ويرجع ذلك إلى أن الفرنسيين لا يستطيعون بطبيعتهم الاستمرار في الأكل عند شعورهم بالشبع.

ولأنهم يميلون للاستمتاع بالمقبلات الفاتحة للشهية، والأطباق الرئيسية المعقدة، والتحليات اللذيذة – وجميعها أطباق غنية بالزبد – وحيث إنهم لا يقبلون أن تمتلئ بطونهم قبل الانتهاء من وجبتهم كاملة؛ فتكون الكميات صغيرة. لقد أثبت الفرنسيون كيف يمكن لثقافة ما أن يكون مطبخها غير صحي بالمرة ولكن عاداتها الاجتماعية تساعد شعبها على الاحتفاظ بمظهر خارجي متألق.

وعلى الجانب الآخر، نجد ثقافات مثل ثقافتنا المصرية، والتي لا تتمتع بمطبخ صحي أو ثقافة صحية عندما يأتي الأمر لتناول الطعام. فكلنا مررنا بتجربة أن نكون مدعوين لدى الأهل أو الأصدقاء وإصرارهم على تقديم كل ما لذ وطاب من أطعمة تفوق قدرة بطوننا على تحملها؛ وعلى الأرجح، فكلنا مذنبون بارتكاب نفس الفعل في مناسبة ما.

فذلك، في جميع الأحوال، جزء كبير من هويتنا وثقافتنا السخية والمضيافة. ولسوء الحظ، فقد خلف ذلك أجيالاً متلاحقة من الأشخاص غير الأصحاء، وتسبب في انخفاض معدلات متوسط عمر الأفراد، وارتفاع نسبة السمنة والأمراض المرتبطة بها. وعلى الرغم من ذلك، فالأمل موجود.

وفيما يلي عدة طرق لتناول الطعام بكميات أقل في المرة القادمة التي تكون فيها مدعوًّا على مائدة محملة بكل ما لذ وطاب من أطعمة:

  1. حاول دائمًا إبقاء نصف طبقك مليء بالسلطة، وبهذه الطريقة لن يجد المضيف مكان في طبقك لملأه بالأطعمة الأخرى.
  2. تناول الطعام ببطء شديد؛ فالمضيف يريد أن يرى طبقك به طعام وأنك تتناول الطعام في كل وقت.
  3. عندما تفرغ من تناول الطعام، اترك الطاولة فورًا لتغسل يديك؛ فلا يمكنهم إعطاؤك الطعام في الحمام.
  4. كن صادقًا وامدح طعامهم واحرص على ذكر كل صنف من أصناف الطعام التي كانت موضوعة على الطاولة؛ لتؤكد لهم أنك قمت بتجربتها كلها.

إن ثقافتنا واحدة من تلك الثقافات التي يجب أن نعتز بها. فنحن شعب كريم ومحب، ومن المهم أن نقدر ذلك ونحترمه. ولكن من الضروري أيضًا – لصحتنا – أن نأخذ ما هو جيد منها، وأن نترك ما يضرنا بكل احترام. فكما علمنا الفرنسيون، يمكننا الاستمتاع بطعامنا والبقاء أصحاء في نفس الوقت.

المراجع

Healthy at 100 by John Robbins
French Women Don't Get Fat by Mireille Guiliano


*المقال منشور في مجلة كوكب العلم المطبوعة، عدد شتاء 2014.

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2022 | مكتبة الإسكندرية